نص مقتبس من المحادثات المشاركة الملقاة في المنظمة الدولية لصحة الأسرة FHI (جامعة أكسفورد)

و مؤتمر السعادة الخيري  (2007)

 

البودكاست
تنزيل
( 15.3 ميجابايت )
مدة التشغيل 34 دقيقة

المشروع المؤيد لإلغاء المعاناة

 

مقدمة

يدور هذا الحديث حول المعاناة وكيفية التخلص منها.
إنني أتوقع أننا سوف نمحو المعاناة من جميع أنحاء عالم الأحياء.
فسوف ينعم أحفادنا بالصحة و المعافاة المبرمجة مسبقاً على نحو وراثي والتي هي من حيث الحجم سوف تكون أكثر ثراء من ذروة ما توصلت إليه خبرات اليوم.

أولاً، سوف أستعرض مسألة إمكانية استخدام التقنية في إلغاء الأسس البيولوجية لأي شكل من أشكال التجارب الحزينة سواء كانت هذه التجارب نفسية أم عضوية.
ثانياً، سأحاول البرهنة على الضرورة الملحة للأخلاقيات في مشروع تأييد إلغاء المعاناة، سواءً كان الشخص يهدف إلى أي منفعة أخلاقية أم لا.
ثالثاً، سأحاول البرهنة على الأسباب وراء الاعتقاد بأن الثورة في التقنية الحيوية تعني أن ذلك سيحدث يوماً ما، وإن لم يكن بالسرعة التي ينبغي أن يسير بها هذا المشروع.

1- لماذا هو ممكن من الناحية التقنية

مما يدعو للأسف أنه لن يكون باستطاعة الإصلاح الاقتصادي الاجتماعي، أو النمو الاقتصادي المتسارع أو التقدم التقني بالمعنى المعتاد أو أي من الأدوية التقليدية لعلاج أمراض العالم أن تمحو المعاناة أو تلغيها أو حتى تقلل منها.

 حقاً يعد تحسين البيئة الخارجية من الأشياء الرائعة والمهمة، غير أن مثل هذا التطوير لن يتمكن من أن يعيد تقييم السعادة الروتينية لدينا ويجعلها فوق سقف القيود الجينية. وتؤكد الدراسات التي أجريت على التوائم أن هناك عاملاً وراثياً [جزئياً] محدداً للصحة أو للمرض نتأرجح جميعاً من خلاله طوال الحياة. وتختلف هذه العوامل باختلاف الأفراد حيث [من الممكن أن تقل هذه السعادة الروتينية بداخلنا بسبب الابتلاء بضغط طويل الأمد لا يمكن السيطرة عليه. غير أن إعادة تحديد هذا العامل ليس أمراً سهلاً كما يبدو: فإن معدلات الانتحار تنخفض في أوقات الحروب بينما تقترح الدراسة1 أن الإحساس بالتعاسة لا يقل أو يزيد بعد ستة أشهر من وقوع حادث يصاب جرائه الشخص بشلل رباعي عن تلك الفترة التي سبقت الكارثة].

 للأسف، لن يكون باستطاعة المحاولات التي تسعى لإقامة مجتمع مثالي أن تتجاوز هذا السقف البيولوجي، سواء عن طريق الأفكار المثالية الخيالية لليمين أو اليسار، أو السوق الحرة أو الاشتراكية، أو الدينية أو العلمانية، أو التقنية المتقدمة المستقبلية أو حتى مجرد زراعة حديقة. وإن تم تحقيق كافة المطالب التقليدية للمؤيدين للحركة المستقبلية من الشباب الدائم والثروة المادية غير المحدودة والحرية الشكلية والذكاء المتناهي والتكنولوجيا النانوية الجزيئية وما إلى ذلك - فليس هناك دليل على أن جودة حياتنا الذاتية في المتوسط العام سوف تتجاوز جودة حياة أسلافنا الأوائل - أو رجال القبائل الغينية اليوم - في غياب إثراء مسارات الرضا بالمخ. علاوة على ذلك، فإنه يصعب إثبات هذا الادعاء في غياب الفحص العصبي المعقد ؛ إلا أن المؤشرات الموضوعية للضغط النفسي - كمعدلات الانتحار على سبيل المثال – هي التي ستتولى إثبات ذلك. سيظل البشر غير المعززين فريسة لسلسلة من المشاعر الداروونية والتي تتراوح ما بين المعاناة الرهيبة إلى خيبة الأمل والإحباط البسيطة مثل الحزن والتوتر والغيرة والذعر والقلق الوجودي، فالتكوين البيولوجي الخاص بهم هو جزء من "ماذا يعني أن تكون إنسان". إن حالات التعاسة الذاتية للوعي تكون موجودة لأنها قابلة بأن يتم تكييفها تكيفاً جينياً. وقد لعبت مشاعرنا الجوهرية دوراً إشارياً مميزاً في ماضينا التطوري: فقد عملت هذه المشاعر على الارتقاء بالسلوكيات والتي عززت بدورها الملاءمة الشاملة لجيناتنا في بيئة أسلافنا.

لذا، إذا قمنا بمحاكاة البيئة الخارجية بمفردها، فلن نتمكن أبداً من إلغاء المعاناة والضيق، فما جدوى استخدام التقنية إذن؟

فيما يلي عرض لسيناريوهات ثلاثة مرتبة ترتيبا تصاعديا لإمكانية التصديق من الناحية الاجتماعية:

أ) زراعة المخ الإلكتروني للأشخاص أو أقطاب كهربائية في الدماغ ( wireheading)
ب) الأدوية المعدلة تعديلا مثاليا
ج) الهندسة الوراثية؛ وما أود أن أركز عليه هو الوعد بثورة منتجة للأطفال المعدلين جينياً

أ استدعاء المخ الإلكتروني للأشخاص هو عبارة عن تنبيه مباشر لمراكز السعادة بالمخ عن طريق الأقطاب الكهربية المزروعة. ولا يظهر التنبيه الذاتي داخل المخ أي نوع من عدم التحمل سواء كان تحملاً فيسولوجياً أو ذاتياً، بمعنى أنها مجرد نوع من الرضا يكون بعد يومين وكأنه حدث بعد دقيقتين. وعلى الرغم من أن زراعة المخ الإلكتروني أو الأقطاب الكهربائية في الدماغ لا تؤذى الآخرين ، فإن لها آثار بيئية طفيفة، فهي تعمل على التخلص من الألم النفسي والجسدي، ويقال أنها أقل إهانة لكرامة الإنسان من إقامة علاقة جنسية. باعتراف الجميع، تبدو زراعة المخ الإلكتروني أو أقطاب كهربائية في الدماغ على مدار الحياة أفقاً جذاباً من آفاق المستقبل لعدد قليل من حالات الإحباط الحادة. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ما هي الخلافات التقنية التي تقف حائلاً أمام تبني هذا المشروع؟

إن زراعة المخ الإلكتروني أو الأقطاب الكهربائية في الدماغ لا تمثل حلاً ثابتاً من ناحية التطور: فقد يكون هناك ضغط في الاختيار سوف يقف حائلا أمام انتشاره وتبنيه على نطاق واسع. لا يعزز زرع المخ الإلكتروني أو الأقطاب الكهربائية في الدماغ سلوك النشأة التربوية: فالبشر أو غير البشر، لا يرغبون في تنشئة طفل بزرع مخ إلكتروني. وتمشياً مع ذلك فإن السعادة غير المقيدة والتي تكمن في مسألة زرع المخ الإلكتروني أو أقطاب كهربائية في الدماغ أو أي شيء مساو آخر سينهي التجربة البشرية بشكل فعال، على الأقل إذا ما تم تبنيها على الصعيد العالمي . فتقوم الإثارة العصبية المباشرة لمراكز الرضا بالمخ بتدمير الحساسية المعلوماتية للمثيرات البيئية. لذا، حتى على افتراض أننا نريد أن نكون أذكياء – أو نصبح أكثر ذكاء – فإن لدينا خياراً لذلك. ويمكن أن تمتلك العوامل الذكية هيكل تحريك و إثارة يعتمد على درجات الشقاء والضيق، وهي إحدى خصائص بعض الأمور المحبطة والمسببة لإكتئاب مستمر طوال الحياة أو قد تمتلك العوامل الذكية المزيج النموذجي الحالي من السعادة والألم أو بدلاً من ذلك يمكن أن يكون لدينا اقتصاد معلوماتي في العقل يعتمد تماماً على درجات [من التكييف و التأقلم] للسعادة العقلية - والتي سوف أحاول البرهنة عليها.

في واقع الأمر، قد يكون التحول عن زرع المخ الإلكتروني أو أقطاب كهربائية في الدماغ سريعاً للغاية، ففي المستقبل البعيد، لن يتمكن أحد من التخلص من كل شيء غير مرغوب فيه أو أرضي على أجهزة الحاسوب الفائقة أو السوبر كمبيوتر غير العضوية والأجهزة التعويضية أو الأطراف الاصطناعية والإنسان الآلي أو الروبوتات أثناء استمتاعنا بالسعادة المنتظمة أو قد لا تكون سعادة عضوية، فمن الممكن أن تكون عائلات أخرى تتمتع بأوضاع مثالية لا يمكن تحسينها ببساطة. لكن هذا محفوفاً بالمخاطر. و مهما كان المقصد النهائي، فمن العقلانية، على ما أعتقد، استهداف السعادة الخارقة والذكاء الخارق- على الأقل حتى نفهم الآثار الكاملة لما نقوم به. لا توجد ضرورة أخلاقية لزيادة السعادة الخارقة كما هو الحال في ضرورة إلغاء المعاناة.

] الجدير بالذكر أن خيار التخلص يفترض أن أجهزة الحاسب غير العضوية والأجهزة التعويضية أو الأطراف الاصطناعية والإنسان الآلي أو الروبوتات لا تمر- أو على الأقل لا تستلزم- تجربة الألم الاستثنائي الشخصي حتى لو كان البناء الوظيفي يسمح لها بتجنب المثيرات البغيضة أو الاستجابه لها. إن غياب المعاناة غير العضوية لا يخضع للجدال نسبياً مع وجود أجهزة الكمبيوتر الحالية - فإغلاق المرء للحاسب الشخصى لا ينطوى على آثار أخلاقية، ولا يمكن برمجة الإنسان الآلي أو الروبوت المصنوع من السليكون بحيث يتجنب الأحماض الحارقة دون المعاناه من الألم إذا كان قد لحق به أضرار. ومن المثير للجدل  أن النظام الحاسوبي مع أسلوب فون نومان التقليدي سيظل إلى الأبد مثير لاهتمام العقل. أنا أشك في ذلك ، لكن بأي شكل من الأشكال، فهذا لا يؤثر على خيار التخلص، ما لم يبرهن أحدهم بأن البيئة الشخصية للمعاناة لها ضرورة وظيفية لأي نظام قادر على تجنب المثيرات الضارة]

ب( يعد الخيار التقني الثاني للقضاء على المعاناة هو الأدوية المستقبلية المعدلة جينياً. في عصر طب ما بعد الجينوم المتطور، هل سيكون من الممكن منطقياً تصميم أدوية تحث على السعادة المثالية فعلاً والتي ستحقق السعادة الكبيرة طوال الحياة دون أي آثار جانبية غير مرغوب فيها؟ إن "أدوية السعادة المثالية" هي باختصار تشتمل في الأساس على السعادة المخية والشعورية والجمالية وربما الروحية - وليس فقط السعادة الحسية بالمعنى التقليدي الأخلاقي وأحادي البُعد.


إننا لا نتحدث هنا عن الأدوية المبهجة أو الترفيهية، والتي ببساطة تقوم بتنشيط آلية التغذية المرتدة في المخ، ولا نتحدث عن الهدوء و الرضا السطحي الأفيوني كما في رواية  "عالم جديد جميلBrave New World "  ولا الأدوية التي تحث على هوس الشمق أو البهجة بمتعتها غير الخاضعة للسيطرة وفقدان البصيرة المهمة وتكلف وتحليق الأفكار.هل يمكننا تطوير أدوية رائعة حقيقية تقدم قدر كبير من السعادة السامية على أساس دائم مع إعادة تحديد مفهوم السعادة الروتينية لضمان حياة عالية الجودة لكل شخص؟

ينقلب كثير من الناس على كلمة "أدوية" - والتي أصبحت مفهومة اليوم بأنها أدوية الشوارع المؤذية ونظيراتها من الأدوية الطبية غير الفعالة. ولكن حتى الأكاديميين والمثقفين في مجتمعنا يتناولون عادة الأدوية المعتادة والتي تحتوي على الكحول الإيثيلي. فإذا كان هذا أمراً مقبولا اجتماعياً بأن تتناول دواء يجعلك تشعر بالسعادة والتخدير المؤقت، فلماذا نعتبر أنه من غير المعقول تصميم أدوية لجعل الناس أسعد وأذكى على الدوام ؟ من المفترض، للحد من إمكانية إساءة الاستخدام، فإن أي شخص يرغب في تناول دواء يشعره بالسعادة يشبه النكوتين في إحساس محدود ولكنه مهم، وذلك عندما يصل مخ المدخن إلى المستوى المثالي والذي يمكن تقييمه بالمستوى الأفضل، ولا يوجد تصعيد غير محكوم للجرعة.

وبالطبع فإن جميع الحلول القائمة على الدواء محفوفة بالمخاطر. ومن الناحية التقنية، أعتقد أن هذه المخاطر يمكن التغلب عليها، على الرغم أنني لن أحاول إثبات ذلك هنا. بيد أن هناك قضية أعمق فإذا لم يكن هناك شيء خطأ من الأساس - أو على الأقل غير مناسب من الأساس – للحالة الطبيعية القائمة للوعي الموروث عن طريق التطور، فلن نسعى بهذا الحرص لتغييره. حتى وإن كان هذا الوعي غير بغيض، فإن الوعي اليومي يكون متوسطاً إذا ما قورن بما نسميه ذروة الخبرات. فقد كان من المفترض أن يكون الوعي اليومي العادي متكيفاُ بحيث يساعد الجينات الخاصة بنا على ترك عدد أكبر من النسخ لنفسها على السافانا الإفريقية، لكن لماذا نحتفظ بها على وضعها الفاشل العاجز عن العمل إلي أجل غير مسمي؟ أو بتعبير أدق فلماذا لا نغير الطبيعة البشرية عن طريق إصلاح الشفرة الجينية الخاصة بنا بصورة موضوعية؟

ومن هنا فإني أكرر أن استبعاد هذه الحلول الدوائية قد يكون سريعاً للغاية. ومن المثير للجدل، أن الأدوية المعدلة جينياً المثالية قد تكون مفيدة دائماً للتحكم في الوعي بسهولة وبشكل قابل للإصلاح، وأعتقد أن الأدوية المعدلة جينياً ستكون أداة لاستكشاف المتغيرات المتفاوتة في العقل الواعي. ولكن ألن يكون من الأفضل إذا ما ولدنا جميعاً باستعداد جيني كي يكون لدينا صحة نفسية فائقة بدلاً من الحاجة إلى العلاج الذاتي الدائم؟ هل ينوى أشد المتحمسين من المؤيدين لإلغاء المعاناة إعطاء خليط من الأدوية لكافة الأطفال عند الولادة، ثم بعد ذلك يكون تناول هذا الخليط من الأدوية على مدار العمر؟

ج) ومن ثم ثالثاً، توجد حلول جينية تشتمل على كل من العلاج الجسماني والعلاج الجرثومي الجيني.
في السياق ذاته، توجد اليوم أقلية من الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب أو الإحباط الدائمين حتى وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. وتؤكد الدراسات التي تجرى على التوائم أحادية و ثُنائِيُّ الزيجوت أن هناك درجة عالية من التحميل الجيني للاكتئاب. وعلى العكس من ذلك، هناك بعض الناس المتفائلين بشكل مؤقت. وبخلاف المتفائلين، توجد قلة قليلة جدا من الناس ممن يطلق عليهم الأطباء النفسيون أنهم مصابون بُفْرِطُ التُّوتَة. ولا يعاني الأشخاص من الهوس أو الاضطراب ثنائي القطب، لكن بالمقاييس المعاصرة، هم في حالة دائمة من السعادة المفرطة، وإن كانوا أسعد من الآخرين في بعض الأحيان. ويتجاوب الأشخاص المصابون بُفْرِطُ التُّوتَة بشكل"مناسب" ومتكيف مع بيئتهم. إنهم يتميزون في واقع الأمر بكونهم يتمتعون بالنشاط والقدرة على الإنتاج والإبداع. حتى عند شعورهم بالسعادة، فهم "لا يشعرون بالنشوة".

والآن، ماذا لو كنا - باعتبارنا حضارة كاملة -في موقف الاختيار بأن نكون مصابون بُفْرِطُ التُّوتَة جينياً- لنتبني نظام محفز يعتمد بالكامل على درجات التكيف مع السعادة؟ في الأساس، وباعتبار أن الأساس الجيني للسعادة قد تم فهمه، فقد نختار إضافة نسخ إضافية متعددة من مركب التوليفات الأليلية / الجينية المحفزة لُفْرِطُ التُّوتَة والمعززة والمنظمة لها - لا تلغي الاستقرار و الاستتباب ولا السعادة الروتينية، لكن تحول نقطة تنظيم السعادة إلى مستوى أعلى وتكون على نطاق واسع؟

توجد هنا ثلاث نقاط:


أولاً، قد يبدو أن إعادة التقويم الجيني هذا هو – في حد ذاته – إقرار على وجود نوع آخر من أنواع التماثل،ولكن تجدر الإشارة إلى أن أسعد الناس - وخاصةً الأشخاص المصابون بالُفْرِطُ الدوبامينِيّ - يتجاوبون بالفعل لنطاق أوسع من المحفزات المُرضية المحتملة أكثر من المحبطات: و ينخرطون في السلوك الاستكشافي بصورة أكبر. وهذا يعني أن يكون التمسك بروتين معين باعتباره الطريق الأمثل سيكون أقل احتمالاً سواء بالنسبة  للفرد المعزز أو المجتمع البشري ككل.

ثانياً، قد تبدو ُفْرِطُ التُّوتَة الشاملة وكأنها تجربة عملاقة،وهي كذلك بالطبع في فحواها. بيد أن كافة أنواع التكاثر الجنسي هي عبارة عن تجربة.  فيمكن أن نلعب لعبة قمار الروليت بالجينات، نعدل الجينات ثم بعد ذلك نرمي بالنرد الجيني. أغلبنا يحجم عن كلمة "تحسين النسل" لكن هذا ما نمارسة فعليا ، على نحو بدائي وتعوزه الكفاءة ونحن نختار أزواجنا المنتظرين. يكمن الفرق في أنه في غضون العقود القليلة القادمة، سيتمكن آباء المستقبل من السير قدماً وبطريقة أكثر عقلانية تتسم بالمسؤولية في اتخاذ قراراتهم بالإنجاب. سيصبح التحليل السابق للإنغراس روتينياً، وسيزيل الرحم الصناعي قيود قناة الولادة البشرية وستبدأ ثورة في الطب والعلاج التناسلي باستبدال الفكر الداروني القديم. ليس السؤال هنا عما إذا كانت ثورة التكاثر قادمة أم لا، إنما ما نوع البشر - وما نوع الوعي- الذي نرغب في خلقه؟

ثالثاً، ألن تكون ثورة التكاثر هذه امتيازاً للصفوة الغنية في الغرب؟ ربما ليس لوقت طويل. فلنفرض عقد مقارنة موجزة للفارق الزمني بين، قل، إدخال الهواتف المحمولة والاعتماد العالمي عليها مع فترة 50 عاماً تفصل بين الإدخال والاعتماد العالمي للراديو، من فترة 20 عاماً بين الإدخال والتغلغل العالمي للتليفزيون. الفترة الزمنية بين الإدخال الأول والقبول العالمي للتقنيات الجديدة تتقلص بشكل سريع. وكذلك بالطبع السعر.

على أية حال، تعد السعادة الروتينية واحدة من مزايا إعادة التصحيح والتقويم الجيني بدلاً من القضاء عليها تماما، على الأقل في المستقبل المنظور، فسوف يكون ممكًنا الحفاظ على المماثلات الوظيفية للألم والقلق والشعور بالذنب وحتى الإحباط دون الأحاسيس البغيضة المتعلقة بهم كما نفهمها اليوم. كذلك فبإمكاننا الحفاظ على المماثلات الوظيفية للاستياء والسخط باعتبارها محركات للتقدم الذي يتم إحرازه وكذلك الحفاظ على البصيرة والرؤية الناقدة المفقودة في هوس الشمق. حتى وإن تم تعزيز الاتجاه العام للسعادة بشكل كبير،وحتى إن كانت مراكز الإحساس بالرضا مكبرة وظيفياً وجسدياً، فبالتالي لا يزال ممكناً من الأساس الاحتفاظ بالعديد من الأساليب المفضلة الحالية. فإذا كنت تفضل مودزرات عن بيتهوفن أو الفلسفة عن لعبة البوشبين، فسوف يمكنك الاحتفاظ بالأفضلية حتى إذا تم تعزيز الاتجاه العام للسعادة بشكل كبير.

الآن، وعلى المستوى الشخصي، أعتقد أنه من الأفضل إذا كانت طريقة الأفضلية هي التغيير الجذري، أن نسعى إلى [معذرة على اللهجة]  "إعادة تَدَمُّغ للعواطف". فقد ترك لنا التطورعن طريق الإنتخاب الطبيعي ميلاً مسبقاً شديداً لتشكيل كافة أنواع الأفضليات الوظيفية غير الطبيعية التي تضر أنفسنا أو الآخرين على حد سواء لصالح جيناتنا. تذكر جانكيز خان: " أعلى مستويات السعادة هي أن تشرزم أعداءك، أن تسوقه أمامك، أن ترى بلاده تتحول إلى رماد، ترى محبيه تغمر أعينهم بالدموع، وأن تأسر زوجاته وبناته."

وقد أخبرت أن المجتمع الأكاديمي ليس بالسوء المتخيل، لكن حتى الحياة الجامعية لها جوانب وحشية - فالسعي إلي الحالة التنافسية وطقوس الهيمنة الذكورية: لعبة محصلتها صفر مع عدد كبير من الخاسرين. وتعكس العديد من الأشياء المفضلة لنا سلوكيات بغيضة وحالات ذهنية تكيفنا عليها جينياً في بيئة أسلافنا. بدلاً من ذلك، أليس من الأفضل أن نعيد كتابة الشفرة الفاسدة الخاصة بنا؟ وأركز هنا على تعزيز اتجاه السعادة العام وراثياً. ومع ذلك،فإن التمكن من بيولوجيا العاطفة يعني أننا سنتمكن على سبيل المثال من توسيع قدرتنا على التعاطف،بتكبير مرآة الخلية العصبية وهندسة الزيادة المستدامة في إصدار أُوكْسِيتُوسين لتعزيز الثقة والاجتماعية. وبالمثل، يمكننا التعرف على علامة الجزئيات، على سبيل المثال، الروحية/ أو الحس الجمالي أو روح الدعابة والفكاهة لدينا - والتعديل و" التعبير المفرط" عن الآليات النفسية أيضاً. ومن منظور نظري معلوماتي، فإن أهم عنصر في أي استجابة مهمة متكيفة ومرنة وذكية للعالم لا يكمن في رؤيتنا المطلقة لمقياس السعادة، لكن شعورنا بالفروق بصورة مَعْلُومَاتية. فبالفعل يحدد واضعو النظرية ببساطة المعلومات بصفتها"الفرق الذي يحدث فرقاً".

للتأكيد مرة أخرى فإن مسألة إعادة تدمغ العواطف هي مسألة اختيارية، حيث أنه من الممكن  من الناحية التقنية  هندسة النشاط الخاص بالوعي الأولي والحفاظ على أغلب وليس كل الأشياء المفضلة الحالية. إن الخيارات الثلاثة التقنية لإلغاء المعاناة التي قدمتها - سواء زرع المخ الإلكتروني أو أقطاب كهربائية في الدماغ أو الأدوية المعدلة جينياً أو الهندسة الوراثية - لا يستبعد أحدهم الآخر. والسؤال الآن هل هذه الخيارات هي خيارات شاملة؟ أنا لا أدري إن كان هناك خيارات أخرى ممكنة. فيعتقد بعض مفكري حركة تحويل وتحوير الإنسان ترانسهيومانيزم أنه في يوم من الأيام يمكن فحصنا ورقمتنا وتحميلنا على أجهزة الحاسب غير العضوية وإعادة برمجتنا. حسناً، على الرغم من شكي لكن على أية حال، لا يحل هذا الاقتراح معاناة الحياة العضوية الحالية ما لم يتم تضمين التحميل المدمر المزعوم - خيار الهولوكوست والذي لن أفكر مجرد التفكير فيه هنا.

2: لماذا يجب أن يحدث هذا

لنفترض أننا في غضون القرون القليلة القادمة سنكتسب هذه القوى شبه الإلهية على عواطفنا. ولنفترض أيضاً أن وظيفة الإشارة للتجارب البغيضة يمكن استبدالها من خلال إعادة التقويم التي تمت البرهنة عليها هنا، أو من خلال التخلص من كل شيء بغيض أو روتيني إلى الأطراف الصناعية غير العضوية أو الأعضاء الآلية المزروعة القوية أو أجهزة الحاسب غير العضوية - أو ربما اللجوء إلى القضاء التام في حالة مثل الغيرة.  ومن هنا فإن السؤال الآن لماذا يجب أن نؤيد جميعا إلغاء المعاناة؟

إذا كان الشخص من مؤيدي نظريات المنفعة الكلاسيكية،فهو بالتالي يتبع مشروع مؤيد الإلغاء: نظرية بنثام بالإضافة إلى التقنية الحيوية. ليس على كل من يصادق على إلغاء المعاناة أن يكون من مؤيدي نظرية المنفعة الكلاسيكية، لكن على كل من يؤيد هذه النظرية أن يتقبل مشروع تأييد إلغاء المعاناة. فقد ناصرت نظرية بنثام الإصلاح الاجتماعي والتشريعي، والذي حقق نجاحاً هائلاً في المراحل التي وصل إليها، إلا إن بنثام كان يعمل قبل عهد التقنية الحيوية والعلاج الجيني.

إذا كان أحد الأشخاص المستنيرين علمياً ويعتنق الديانة البوذية، فبالتالي سيتبع مشروع تأييد إلغاء المعاناة أيضاً. فقد ركز معتنقو الديانة البوذية، من بين ديانات العالم أجمع بشكل متفرد، على أولية المعاناة في العالم الحي. وربما يعتقد معتنقو الديانة البوذية أن الطريق الثماني النبيل هو الطريق الأمثل نحو السعادة القصوى (النرفانا) أكثر من الهندسة الوراثية، لكن من الصعب على معتنقي البوذية المجادلة من حيث المبدأ ضد التقنية الحيوية إذا ما نجحت. يركز البوذيون على التخلص من المعاناة عن طريق إخماد الرغبة، ويجدر أن نذكر هنا أن هذا الإخماد أمر اختيارى من الناحية التقنية، وقد يؤدي إلى وجود مجتمع غير متطور بدلاً من ذلك من الممكن إلغاء المعاناة والاستمرار في أن يكون لديك كل أساليب الرغبات.

إلا إن إقناع أتباع الإسلام وتعاليم المسيحية اليهودية هو التحدي الأكبر. فالمؤمنون بهذه العقائد يقولون – أنه على الرغم من المفارقات في الأدلة العملية – على أن الله هو منتهى الرأفة والرحمة، لذا، إذا تمكنت الأخلاق المجردة من تخيل النشاط الخاص بكافة أشكال القدرة على الحس، فإن من يدعي أن الله محدود في نطاق خيره يكون كافراً.

لا ينتمي أغلب الفلاسفة المعاصرين إلى المذهب المنفعي الكلاسيكي وليسوا بوذيين أو ملحدين. لماذا يجب، كما قال، واحد من الأشخاص المؤمنين بالتعددية الأخلاقية أن نأخذ مشروع تأييد الإلغاء على محمل الجد؟
أريد هنا أن أعبر عما أرغب فيه من خلال نص شكسبير:

"لم يخلق فيلسوف بعد يستطيع أن يتحمل ألم الإنسان بصبر."
 [مسرحية الكثير من اللغط حول لا شيء  Much Ado About Nothingالمشهد الخامس،  الفصل الأول (الحديث على لسان شخصية ليوناتو)]

عندما يعاني أحد الأفراد من الألم الجسدي المفرط، فإنه دائماً يصطدم بمجرد هول ما يمكن أن يكون عليه هذا الألم.
من الجدير هنا افتراض أن الألم  "النفسي"- من وحدة ورفض وذعر وجودي وأسى و حزن وقلق و اكتئاب- يمكن أن يكون أصعب بكثير من الألم العضوي،ويعد السبب وراء ذلك هو أن حوالي 800000 شخص في العالم ينهون حياتهم كل عام ويكون السبب نفسي أساساً. وهذا لا يعني أن الأشياء الأخرى مثل- الفن العظيم والصداقة والعدالة الاجتماعية، وروح الدعابة والفطنة وتشجيع مكارم الأخلاق والبعثات الدراسية، وما إلى ذلك ليست بالأشياء المهمة ذات القيمة ، لكن عند زيادة تداخلات الآلام الجسدية والنفسية - أما في حياتنا الشخصية أو حياة من نحب - فندرك على الفور-  بأولوية وإلحاح هذا الألم الحاد. فإذا كنت تعاني من ألم شديد بعد إصابة يدك في الباب، فإنك ربما تعترف لأحد الأشخاص ممن حثك مسبقاً على تذكر الأشياء الأفضل في حياتك. إذا كنت تعاني من اضطراب شديد بعد قصة حب غير سعيدة، فلن يكون لديك أي رغبة في أن يذكرك أحد بتلك الأيام الجميلة الماضية بطريقة تفتقر إلى اللباقة.

ومن هنا وعلى الرغم من دوام الحزن فإن الألم الحاد أو الحزن أو الضيق النفسي له الضرورة الملحة والأولوية التي تهيمن على باقي المشاريع الحياتية، لكن ماذا بعد؟ عندما يمر الألم، لما لا نعود من جديد إلى الحياة السابقة؟
حسناً، تطمح العلوم الطبيعية إلي "الرؤية من اللامكان"،وهي رؤية من المنظور الإلهي، فتدل العلوم الطبيعية على عدم امتياز الوجود عن أي شيء آخر، فالجميع على قدم المساواة في الحقيقية. فسوف تمنحنا العلوم والتقنية قريبا قوى إلهية على العالم الحي بأسره حتى تتوافق وهذا المنظور الإلهي. وإنني أرى أنه طالما أن هناك القدرة على الشعور بالشخص الذي يمر بنفس المعاناة التي قد مررنا بها، فيجب التعامل مع هذه المعاناة بنفس الأولوية وكأنها ألمنا الشخصي أو ألم من نحب. فمع وجود القوة يكون التورط في الجرائم. إن القوى الإلهية تحمل معها المسؤوليات الإلهية. وبالتالي، فإن وجود المعاناة من 200 سنة مضت، على سبيل المثال، قد يكون رهيباً بالفعل، لكنه ليس أمرا جليا أنه يمكننا – من الناحية العقلانية - تسمية هذه المعاناة بال "لأخلاقية" - لأنه لم يكن هناك الكثير مما يمكن فعله بشأنها. لكن بفضل التقنية الحيوية الآن - أو عما قريب. في غضون القرون القليلة القادمة ستصبح المعاناة اختيارية..

وإذا لم تكن من مؤيدي نظرية المنفعة الأخلاقية، فإن ميزة إعادة تقييم إعلاء السعادة الروتينية بدلاً من مجرد السعي نحو زيادة السعادة الفائقة فإنك ببساطة تحتفظ على الأقل بسلالة متعارف عليها من البناء الذي يضم الأشياء الموجودة والمفضلة لدينا. ويمكنك أن تعيد تقييم السعادة الروتينية بما يتوافق مع النظام القيمي الحالي الخاص بك. ولهذا السبب يمكن أن يتكيف الأشخاص الذين يطلق عليهم بفظاظة "المنفعيين المميزين". وفي واقع الأمر، فإن التحكم في المشاعر يعني أنه يمكنك السعي وراء مشاريعك الحياتية الحالية بشكل أكثر فاعلية من ذي قبل.


وماذا عن وظيفة بناء الرموز المزعومة للمعاناة؟ قال نتشه "الضربة التي لا تقتلني تقويني" ويبدو هذا القلق في غير محله، فعندما تتساوى كافة الأشياء الأخرى فإنها تعمل على تعزيز الاتجاه نحو السعادة والتي تقوم بدورها بتقوية الحافز لدينا فهي تجعلنا أكثر قوة من الناحية النفسية. وعلى النقيض من ذلك، فتؤدي الحالة المزاجية السيئة لفترة طويلة إلى أن تتلازم مع اليأس المكتسب واليأس السلوكي.

ولم أناقش بوضوح القيمة العدمية - معتنقي الذاتية العدمية أو المشككين في القيم الأخلاقية والذين يقولون أن كافة القيم هي عبارة عن مسألة رأي، وأنه لا يمكن من الجانب المنطقى استنتاج " الواجب" من  "الكائن".
حسناً، دعنا نقول أنني أجد نفسي في حالة من الألم والعذاب لأن يدي على موقد ساخن، فهذا الألم محفز من الناحية الجوهرية حتى إذا كانت قناعتي أنه يجب علي سحب يدي فهذا لا يتبع المعايير الرسمية للاستنتاج المنطقي. وإذا أخذ شخص صورة العالم العلمية على محمل الجد، فسوف يجد أنه لا يوجد شيء وجودي خاصاً أو متميزاً عن هنا والآن أو عني -  فالوهم الأناني هو خدعة لمنظور صممه حامض نووي أناني. فإذا كنت مخطئاً بأني أشعر بالألم والعذاب، فبالتالي يخطئ أي شخص يفعل ذلك في أي مكان.

3: لماذا يجب أن يحدث هذا؟

حسناً، فإن حدوثه هو أمر ممكن من الناحية التقنية. فعالم دون معاناة سوف يكون عالماً رائعاً، وسوف تكون أيضاً مسألة هندسة جنة كاملة شيئ أكثر روعة. ولكن مرة أخرى ، ماذا بعد؟ من الممكن من الناحية التقنية أن تبني مكعباً من الف متر من جبن الشيدر. فلماذا سوف يكون هناك عالم بلا ألم؟ ربما كان الأمر مجرد أمنيات. ربما سنختار الاحتفاظ ببيولوجية المعاناة احتفاظا لانهائيا2.

إن المعارضة و الجدل هنا عما إذا كان هناك من يتعاطف مع المشروع المؤيد لإلغاء المعاناة أم لا، فنحن الآن نسير قدماً إلى ثورة في التكاثر للأطفال المعدلين. عما قريب سيختار آباء المستقبل صفات أطفالهم المقبلين. فنحن على أعتاب مرحلة تحول ما بعد المرحلة الدارونية ، ليس من ناحية أن ضغط الانتخاب سيكون أقل حدة إلى حد ما، ولكن التطور لن يظل "أعمى"  و"عشوائياً": ولن يكون هناك انتخاب طبيعي وإنما انتخاب غير طبيعي. إننا سَنَختارُ التركيبَ الجيني لنسلِنا المستقبليِ، واختيار وتصميم الأليلات ومجموعات الأليلات مع توقع مسبق لنتائج هذا التركيب الجيني المنتخب، فسيكون هناك ضغط الانتخاب ضد الأليلات الأبغض ومجموعات الأليلات التي كانت متكيفة مع بيئة الأسلاف.

للأسف، هذه ليست حجة دقيقة جداً، لكن تخيل أنك تختار باستخدام قرص ضبط التعديلات الجينية الحالة المزاجية لأطفالك في المستقبل، وتحدد درجة ضبط السعادة لدى هؤلاء الأطفال. أي التعديلات ستختار؟ فقد لا ترغب في اختيار درجات السعادة الفائقة مدى الحياة، لكن الأغلبية العظمى من الآباء والأمهات يريدون بالتأكيد اختيار أطفال سعداء. في البداية، من الممتع تربية مثل هؤلاء الأطفال، فالغالبية العظمى من الآباء والأمهات من معظم الثقافات يقولون، وأعتقد أنهم صادقين في ذلك، أنهم يريدون أن يكون أطفالهم سعداء. قد يشك البعض في الوالدين الذين يقولون أن السعادة هي الشيء الوحيد الذي يهتمون به لصالح أبنائهم، فكثير من الآباء والأمهات طموحين للغاية، غير أن الأمور الأخرى تتساوى لديهم، فالسعادة عندهم تعني النجاح وربما يكون ذلك هو الأصل التطوري المطلق الذي يجعلنا نقدر سعادة أبنائنا كما نقدر سعادتنا الشخصية.

وبالطبع مناقشة خيار الوالدين ليس أمرا قاطعا، ولكنه في نفس الوقت ليس أقل في الأهمية فإنه من غير المعلوم عدد الأجيال الإضافية التي تنتظرنا بشأن خيارات الإنجاب الحرة قبل أن تجبر تدريجياً التقنيات الجذرية المضادة للشيخوخة علي تشديد الرقابة الجماعية على قراراتنا الإنجابية - في حين أن التعداد السكاني المتضخم للأشخاص شبه الخالدين دائمي الشباب لا يمكن مضاعفته بشكل غير محدود في الفضاء الجسدي المحدود. لكن حتى لو كانت السيطرة المركزية على قرارات الإنجاب أصبحت هي القاعدة، وأصبح الإنجاب في حد ذاته شيئاً نادراً، فسيكون من المفترض أن يكون ضغط الانتخاب ضد النمط الجيني الداروني البدائي ضغطا شديداً. وبالتالي فإنه، من الصعب تخيل ما الذي يمكن أن تسمح به التشكيلات الاجتماعية المستقبلية فعلا بالخلق المتعمد لأي استعدادات تتعلق باضطرابات القلق أو الاكتئاب - أو حتى الباثولوجيات أو المرضيات "العادية" للوعي غير المعزز.

الحيوانات غير البشرية

حتى الآن قمت بالتركيز على المعاناة عند نوع واحد، فالقيود المفروضة على مشروع تأييد إلغاء المعاناة هي قيود محدودة، ولكن تحيزنا ذو التمركز البشري عميق الجذور. فقد عزز كل من الصيد والقتل واستغلال أفراد الأنواع الأخرى مسألة الملائمة الشاملة لجيناتنا في بيئة الأسلاف. [نتشابه هنا أكثر مع الشامبانزي عن بونوبوس]. وخلافا لمسألة تحريم زنا المحارم، فإننا نقول بأنه ليس لدينا استعداداً فطرياً بأن نقول إن الصيد واستغلال الحيوانات غير البشرية أمر خاطئ. فقد قرأنا أن الببغاء إيرين بابربرج، الذي اشترك معه أجدادنا في مئات الملايين من السنين، لديه عمر عقلي لطفل يبلغ من العمر ثلاثة أعوام. لكن اصطيادهم ما زال أمراً قانونياً و مشروعاً لمن يسمون بالرياضيين للمتعة والتسلية. على عكس إذا ما قتل الرياضيون الأطفال الرضع وصغار الأطفال من جنسنا للمتعة، فستتم محاكمتهم كمجرمين معتلين اجتماعيا ويتم حبسهم.

لذا فهناك تناقض، فالعناوين الرئيسية  في أخبار وسائل الإعلام يدور محورها في العادة حول القضايا المفزعة عن إساءة معاملة الطفل البشري وإهماله، وخطف طفل صغير أو التخلي عن الأيتام الرومانيين. فأكثر ما نكره هو شخص يستغل أو يسيء معاملة الأطفال أو يقتلهم. ومع ذلك، فإننا ندفع بشكل روتيني للقتل الجماعي الصناعي للكائنات الأخرى، لنتمكن من أكلها. إننا نأكل اللحم على الرغم من أن هناك العديد من البراهين التي تؤكد على أن الحيوانات غير البشرية التي نقوم بتربيتها في المزارع الصناعية و قتلها مساوية لأطفالنا الرضع وصغار أطفالنا سواء من الناحية الوظيفية والعاطفية والفكرية – والأهم من ذلك  المعاناة التي تتعرض لها، وبالتالي فإننا – وبشكل صناعي – نقتل أطفال الحيوانات غير البشرية والتي تساوي أطفالنا من البشر.

ومن منظور إلهي، أريد أن أحث على أنه - من الناحية الأخلاقية -  ينبغي علينا الاهتمام و العناية بشكل أكثر إنصافا بمسألة سوء معاملة الحيوانات غير البشرية المساوية لنا وظيفياً كما نفعل إزاء أفراد جنسنا – بأن نهتم بمسألة إساءة معاملة وقتل خنزير كما نهتم بمسألة إساءة معاملة وقتل طفل صغير بشري. إن هذا الطرح ينتهك البديهيات الأخلاقية الإنسانية لدينا؛ ولكن البديهيات الأخلاقية لدينا ببساطة لا يمكن الوثوق بها. فهي تعكس نزعة التحيز نحو اعتبار أن الإنسان هو مركز الكون، كذلك فهي ليست قيوداً أخلاقية لكنها تضم القيود الفكرية والإدراكية أيضاً. ولا يعني وجود إختلافات بين البشر والحيوانات غير البشرية انعدام الإختلافات بين الأشخاص أصحاب البشرة البيضاء أو السوداء أو المواطنين الأحرار والعبيد أو الرجال والنساء أو اليهود وغير اليهود أو المثليين ومغايري الجنس. وإنما السؤال هو: هل ثمة اختلافات من الناحية الأخلاقية ذات صلة؟ هذه هي المسألة لأنه يمكن أن تنشأ عواقب أخلاقية مفجعة كنتيجة عندما نفهم وندرك بعد مشقة لفارق حقيقي لكنه غير متصل من الناحية الأخلاقية بين الكائنات الحية. [نتذكر كيف دافع أرسطو، على سبيل المثال، عن العبودية.. كيف يمكنه أن يكون أعمى؟ ] تم تسميم البديهيات الأخلاقية لدينا بالمصلحة الذاتية الجينية - لم يتم تصميمها لتأخذ رؤية إلهية مجردة. لكن المزيد من الذكاء  يولد قدرة معرفية أكبر على التعاطف - وربما يولد دائرة ممتدة من الشفقة. فقد لا يري أحفادنا ذوو الذكاء الخارق أو المشاعر المفرطة الإساءة في معاملة الحيوانات على إنها شيئاً أقل بغضاً من رؤيتنا لإساءة معاملة الأطفال: فهي إساءة معاملة فظيعة ورهيبة.

وإذا كان هذا الأمر حقيقي أم غير حقيقي، فبالتأكيد أننا لن نتوقف عن أكل بعضنا البعض؟ فالتحيز للمصلحة الذاتية قوي للغاية. فنحن نحب مذاق اللحوم كثيراً جداً. أليست الفكرة العالمية للتَّغَذِّي بالنَّباتاتِ الصِّرْفَة هي مجرد حلم مثالي؟


ربما يكون الأمر كذلك. وعلى الرغم من كل هذا  ففي غضون بضعة عقود، سيعني ظهور لحوم المختبر الصناعية vatfood المهندسة وراثياً أننا يمكننا أن نستمتع بأكل  "لحم"  الذ من أي شيء متوفر اليوم - دون قتل أو وحشية. وفي نوع من التوقع لما سيكون، بدأ اتحاد شركات لحوم المختبر In Vitro Meat Consortium ورشة عمل عقدت في جامعة النرويج لعلوم الحياة في حزيران / يونيو عام 2007. والأمر المهم، إنه من المحتمل تزايد زراعة لحوم من خلايا أحادية مهندسة وراثياً بشكل تصاعدي غير محدود: ومن المحتمل أن يكون الاستهلاك الضخم العالمي لها أرخص من استخدام الحيوانات غير البشرية السليمة. ولذلك - على افتراض أننا في المستقبل المتوقع قمنا بالمحافظة على التطور الذي حدث في القرنِ العشرين والذي أدي إلى وضعِنا الحاليِ cash nexus واقتصاديات السوق - من المرجح أن تحل لحوم المختبر الصناعية الرخيصة، اللذيذة محل المزارع الصناعية وتحل محل الدمار والقتل الجماعي لإخواننا من المخلوقات أيضا.

ويمكن للمرء أن يتساءل في ريبة: هل سيقبل حقا معظم الناس على أكل لحوم المختبر الصناعية، حتى لو كانت أرخص ولذيذة المذاق وشهيّة ومستساغة بشكل أكثر قبولاً من لحوم الحيوانات غير البشرية المذبوحة؟

إذا افترضنا أنه تم تسويق لحوم المختبر الصناعية بشكل صحيح، نعم. إذا لاكتشفنا أننا نفضل مذاق اللحم الذي نمى في الأحواض والأوعية أكثر من لحوم الحيوانات المذبوحة، فمن المحتمل أن تبدو الحجج الأخلاقية للغذاء الخالي من الوحشية أكثر أقناعاً بكثير مما هي عليه في الوقت الحاضر.

ومع ذلك حتى لو كان لدينا اتجاه عالمي للتغذي بالنباتات الصرفة، فسيظل بالتأكيد هناك وحشية هائلة في الطبيعة؟ فتمدنا الوثائق المتعلقة بالحياة البرية برؤية طفولية للعالم الحي: أليس هذا خيراً من قضاء نصف ساعة في عرض الحيوانات غير البشرية على التلفزيون تموت جوعاً أو عطشاً، أو يختنقون ببطء أو تأكلهم الحيوانات المفترسة أحياء. وبالتأكيد لا بد من وجود سلسلة غذائية؟ إن الطبيعة عادة تتميز بالشراسة؛ إلا أن الحيوانات المفترسة ستكون ضرورية دائماً أمام العناء الذي سوف يخلفه الانفجار السكاني وكارثة مالثوسية؟

ليس الأمر كذلك. إذا أردنا ذلك، بإمكاننا استخدام مخزون  منع الحمل3، وإعادة تصميم النظام البيئي العالمي، وإعادة كتابة المجين أو الجينوم الفقاري للتخلص من المعاناة لباقي العالم الطبيعي أيضاً. فيما يتعلق بالحيوانات غير البشرية فهي ليست بحاجة إلى التحرر، إنما في حاجة إلى العناية. فعلينا أن نتحمل مسؤولية العناية بهم كما هو الحال مع الرضع والأطفال الصغار والمسنين والمعاقين ذهنياً من البشر. قد يبدو هذا الاحتمال بعيداً، لكنه يعني تدمير الموطن أو البيئة وإن كل ذلك سوف يترك الطبيعة في وقت لاحق من هذا القرن حدائق ومتنزهات للحياة البرية. فكما لا نقوم بإطعام الجرذان والقوارض المذعورة للأفاعي في حدائق الحيوان – ونعترف بأن ذلك عملاً بربرياً، فهل سنسمح باستمرار الأعمال الوحشية في حدائق ومحميات الحياة البرية الموجودة على أراضينا لأن هذا  "طبيعي"؟

إن آخر الحدود على كوكب الأرض هو المحيط، وبديهياً، أن يبدو أن هذا الأمر ينطوي على مهمة معقدة جدا أيضا. لكن النمو المتسارع  لقدرة الحاسب وتقنيات الإنسان الآلي متناهي الصغر أو الرابوت النانوني تعني أن بإمكاننا نظرياً إعادة هندسة النظام البيئي البحري أيضاً بشكل شامل. وعلى الرغم من أن الأمر لا يزال مستحيلاً  في الوقت الحالي بأن تجرى  إعادة الهندسة هذه، إلا أنه في غضون بضعة عقود، سوف يكون ممكنة من الناحية الحاسوبية  لكن سوف يحتاج إلى نوع من التحدي، وفي نهاية المطاف ستكون شيئاً عادياً من الناحية التقنية. لذا، فالسؤال هو: هل سنتمكن بالفعل من القيام بذلك؟ هل يجب علينا القيام بذلك - أو هل يجب الاحتفاظ اختيارياً بالوضع الداروني القائم؟ إننا هنا بشكل واضح في عالمِ التخمينِ والتكهنات. بيد أنه قد يعجب بعض الناس لما قد يسمى بـمبادئ النزعة الخيرية الضعيفة. فعلى نقيض الإدعاء الجدلي بأن الذكاء الخارق يستلزم التعاطف الفائق، فإن مبادئ النزعة الخيرية الضعيفة لا تفترض أن الأحفاد المتقدمين تكنولوجياً وإدراكياً سيكونون متقدمين أخلاقياً أكثر مما نحن عليه الآن.

ولإعطاء مثال ملموس على كيفية تطبيق المبدأ.. إذا خيرت ما بين شراء أما بيض المزارع أو بيض المصانع، فإن معظم المستهلكين سوف يختارون بيض بطارية المزارع . إذا كان البيض الزراعي أرخص ببنس واحد سيظل أغلب الناس تختار الخيار الخالي من الوحشية. لا، لا يجب على أحد تقليل تعمد الأذى الموجود عند البشر والضغينة والتفكير الدموي، لكن أغلبنا على الأقل لديه نزعة ضعيفة تجاه عمل الخير. فإذا اشتمل علي عنصر لا يستهان به من عناصر التضحية بالنفس، على سبيل المثال فإذا كانت تكلفة بيض المزارع أعلى 20 بنس، بالتالي للأسف ستنخفض المبيعات بشكل حاد. النقطة التي أريد توضيحها هنا - وهي افتراض مهم - أنه إذا كانت التضحية متضمنة للامبالاة الأخلاقية والتي يمكن أن نجعلها غير موجودة أو تافهة، فحينئذٍ يمكن تنفيذ مشروع تأييد إلغاء المعاناة إلى أقصى مدى ممكن للعالم الحي.



HOME
نظرية المنفعة
BLTC بحث
نهاية المعاناة
السعادة الفائقة ؟
التقنية النانوية
هندسة إعداد الجنة
مقاييس الأخلاقيات ؟
 إرشادات العقار الجيد
جمل مقتبسة عن المعاناة
الجراحة المثالية الخيالية؟
مقالة نقدية حول رواية هكسلي
MDMA: علم العقاقير المثالي الخيالي
بيان مؤيدي التحور البشري ترانسهيومانيست
مذهب المتعة لزرع المخ الإلكتروني أوأقطاب كهربائية في الدماغعالم جديد جميل"

البريد الإلكتروني
info@abolitionist.com